عبد الشافى محمد عبد اللطيف
68
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
والموالاة ، وفي النهاية تغلب العرب وأصبح زمام الأمر بأيديهم ، غير أن نقطة الضعف الرئيسة في موقف عرب يثرب من الأوس والخزرج هي التنافس والعصبية فيما بينهم ، وكانت تلك هي فرصة اليهود - غالبا - الذين كانوا يحرشون بينهم ويذكون روح العصبية والتنافس حتى يصل الأمر إلى الحروب وسفك الدماء بين الإخوة ، وظهر الإسلام والأمر على تلك الحال ، وكانت آخر الحروب بين الأوس والخزرج ، هي حرب بعاث التي وقعت قبيل الهجرة بقليل . * صدى الدعوة في يثرب : كان من الطبيعي أن ينتشر أمر الدعوة ، وبصفة خاصة بعد أن جهر بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بين العرب عامة ؛ لأنه ما إن جهر بها حتى أصبحت حديث مكة كلها . وأمر خطير كهذا لا بد أن يتردد صداه في كل بلاد العرب ؛ لأنه ما من قبيلة من قبائل العرب بعدت ديارها عن مكة أو قربت ، إلا كان يأتي بعض رجالها إلى مكة في موسم الحج ، ومكة بلد تجاري ، لها ارتباطات تجارية كانت تتعدى حدود بلاد العرب نفسها ، فإليها يفد الناس لشتى الأغراض ، ومنها تخرج الوفود والقوافل التجارية ومن ثم يمكن القول : إن أخبار مكة تصل إلى جميع بلاد العرب ، بل خارج بلاد العرب . وكان من عادة العرب أن يجتمعوا في الموسم ، كما كانوا قبل الموسم وبعده يجتمعون في الأسواق العربية الشهيرة مثل عكاظ ومجنة وذي المجاز - القريبة من مكة - والتي كانت تعتبر فوق غرضها التجاري منتديات أدبية وسياسية لتبادل المعلومات والأخبار عن أحوال العرب . وكان من الطبيعي أن يكون أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ودعوته على رأس الموضوعات التي يدور حولها الجدل والنقاش وتبادل الأفكار والآراء ، وتعود وفود العرب بعد الموسم إلى ديارها فيكون خبر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم والرسالة أهم الأخبار التي يعودون بها . وكان من الطبيعي كذلك أن تكون يثرب من أوائل المدن العربية التي يتردد فيها صدى دعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ويكون له دوي يختلف عن دويه في غيرها من المناطق ؛ ذلك لأن لأهل يثرب علما مسبقا بها ، مما كانوا يسمعونه من مواطنيهم اليهود الذين كانوا يعلمون ذلك من كتبهم المقدسة ، يقول ابن إسحاق : « فلما انتشر أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في العرب وبلغ البلدان ، ذكر بالمدينة ، ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين ذكر وقبل أن يذكر ، من هذا الحي من الأوس والخزرج ، وذلك لما كانوا يسمعون